أحمد بن علي القلقشندي
104
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ويطيب له من جاه خدمته - فإنه قد قيل « الزم الصحة ( 1 ) يلزمك العمل » ؛ لأنه يمتنع من المنافع التي تصل إليه من أطيب المكاسب ، وتسلم من تبعات العاجل والآجل ، وتخلص من قبيح الأحدوثة ( 2 ) وإطلاق ألسن الحسدة بالطعن والتأنيب ، وينال بجاه السلطان ونفوذ الأمر من غير خيانة للمؤتمن ولا اشتكاء للرعية - فإنه لولا هذه المنافع لغني الانسان بالقناعة ، ورضي بالكفاف ، وسلم من المخاطرة بدينه ودنياه في سلامة السلطان . إذ لا يجوز أن يستفرغ وسعه ويعرّض نفسه للخطر فيما لا تحسن له عائدة ، ولا تخلص منه فائدة ، في جاه ولا مال . وقد علم ما كان عليه أهل هذه الطبقة في سائر الدول وما حصلوه من الذخائر واقتنوه من القنيات النفيسة ، التي أقدرتهم على إظهار مروءاتهم ، واتخاذ الصنائع عند الأحرار ، وحراسة النعم على الدوائر ( 3 ) والأعقاب . وإنما حصلوا على ذلك من حيث معرفتهم بوجوه المكاسب ، وأبواب المرافق ، لا من الخيانة وذميم الطعم ( 4 ) . لأنهم كانوا في أزمنة لا يغضى فيها عن متكسّب من رشوة ولا مصانعة ولا اغتصاب ولا سبب من أسباب الظلم وان جلت منزلته وعظمت مرتبته . ومنها طلب الثناء والحمد وهو من أفضل المقاصد السنية وأعلاها رتبة - لأنه يتلو الأجر في البقاء والدوام ، وكلما كانت الهمة أعظم وأشرف ، كانت إليه أرغب وبه أكلف . ولفضل هذا رغب فيه الأشراف وعلية الناس حتى قال
--> ( 1 ) هكذا بالأصل . ولعلها : النصيحة . ( 2 ) الأحدوثة هي ما حدّث به اللسان . ( اللسان 2 / 132 ) . ( 3 ) الدائرة والدارة هي ما أحاط بالشيء . وفي هامش الطبعة الأميرية يرجح المحقق أن يكون اللفظ في الأصل : « على الدراري » بما يتناسب مع الأعقاب ، وبذلك يكون الخطأ من الناسخ ؛ غير أننا نرجح صحة استعمالها هنا لأنها بمعنى : على من هم في دائرتهم ومحيطهم من الأصدقاء والمقربين . ( 4 ) هنا أيضا يرجح محقق الطبعة الأميرية حدوث التصحيف من قبل الناسخ ، ويعتقد أن أصلها : الطمع ، ونحن نرى استقامة استعمالها وتثبيتها بالمعنى الذي أشرنا إليه في الحاشية الثانية من الصفحة السابقة ، ولا ضرورة لافتراض التصحيف .